ابراهيم بن عمر البقاعي

93

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يواصل استماعه لها بلسان القال أو الحال من أيّ تال كان ، عالية عَلَيْهِ بجميع ما فيها من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وجلالة مقاصدها مع الإعجاز فكيف إذا كان التالي أشرف الخلق . ولما كانت تلاوتها موجبة لإقلاعه فكان إصراره مع بعد رتبته في الشناعة مستبعدا كونه قال : ثُمَّ يُصِرُّ أي يدوم دواما عظيما على قبيح ما هو فيه حال كونه مُسْتَكْبِراً أي طالبا الكبر عن الإذعان وموجدا له . ولما كان مع ما ذكر من حاله يجوز أن يكون سماعه لها ، خفف من مبالغته في الكفر ، بين أنها لم تؤثر فيه نوعا من التأثير ، فكان قلبه أشد قسوة من الحجر فقال : كَأَنْ أي كأنه لَمْ يَسْمَعْها فعلم من ذلك ومن الإصرار وما قيد به من الاستكبار أن حاله عند السماع وقبله وبعده على حد سواء ، وقد علم بهذا الوصف أن كل من لم ترده آيات اللّه تعالى كان مبالغا في الإثم والإفك ، فكان له الويل . ولما كان الإصرار معناه الدوام المتحكم ، لم يذكر الوقر الذي هو من الأمراض الثابتة كما ذكره في سورة لقمان ، قال ابن القطاع وابن ظريف في أفعالهما : أصر على الذنب والمكروه : أقام ، وقال عبد الغافر الفارسي في المجمع : أصررت على الشيء أي أقمت ودمت عليه ، وقال ابن فارس في المجمل : والإصرار : العزم على الشيء والثبات عليه ، وقال أبو عبد اللّه القزاز في ديوانه ونقله عنه عبد الحق في واعيه : وأصل الصر الإمساك ، ومنه يقال : أصر فلان على كذا ، أي أقام عليه وأمسكه في نفسه وعقده لأنه قد يقول ما ليس في نفسه وما لا يعتقده ، والرجل مصر على الذنب أي ممسك له معتقد عليه ، ثم قال : من الإصرار عليه وهو العزم على أن لا يقلع عنه ، وقال الأصفهاني تبعا لصاحب الكشاف : وأصله من أصر الحمار على العانة ، وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه . ولما أخبر عن ثباته على الخبث ، سبب عنه تهديده في أسلوب دال - بما فيه من التهكم - على شدة الغضب وعلى أنه إن كان له بشارة فهي العذاب فلا بشارة له أصلا فقال تعالى : فَبَشِّرْهُ أي على هذا الفعل الخبيث بِعَذابٍ لا يدع له عذوبة أصلا أَلِيمٍ * أي بليغ الإيلام . ولما بين تعالى كفره بما يسمع من الآيات ، أتبعه ما هو أعم منه فقال : وَإِذا عَلِمَ أي أيّ نوع كان من أسباب العلم مِنْ آياتِنا أي على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا شَيْئاً وراءه وكان كلما رأوا الإنسان في غاية التمكن منه ، قال مبينا للعذاب : جَهَنَّمُ أي تأخذهم لا محالة وهم في غاية الغفلة عنها بترك الاحتراز منها ، ويحسن التعبير بالوراء أن الكلام في الأفاك ، وهو انصراف الأمور عن أوجهها إلى اقفائها فهو